التخطي إلى المحتوى
“قيامة أرطغل”: كيف قدم الأتراك تاريخاً موازياً لتمجيد أسلافهم؟

في العاشر من ديسمبر عام 2014 بدأت قناة TRT التركية في عرض المسلسل التركي قيامة أرطغرل، ذلك المسلسل الذي لاقي نجاحا كبيرا داخل تركيا وخارجها، وهذا ما شجع شركة الإنتاج أن تستمر في عرضه، حتى تخطت عدد حلقاته 222 حلقة، كما أدي نجاحه المبهر إلى إقدام القنوات العربية على ترجمته أو دبلجته وعرضه، وصار مسلسل قيامة أرطغرل من المسلسلات التي ينتظر موعد عرضها شريحة عريضة من الجمهور العربي، والمسلسل يعرض فترة تاريخية منسية نسبيا بين الناس، وهي الفترة التي مرت بين انتصار المسلمين على الصليبيين في حطين، وحتى الانتصار على المغول في عين جالوت، ولكن المسلسل خلال سياقه الدرامي وقع في بعض الأخطاء التي تدفعنا لطرح بعض التساؤلات.

فرسان الهيكل من هم وكيف كانوا؟

خلال السياق الدرامي للمسلسل، نجد القائد المسلم أرطغرل مع بعض أصدقائه القلائل يواجه مجموعات من فرسان الهيكل، ودائما ما يكون فرسان الهيكل في وفرة من العدد والعدة، وبالرغم من ذلك ينتصر أرطغرل مع أصدقائه على بعضهم، ثم يلوذ الآخرون بالفرار، فهل كان فرسان الهيكل بهذا الضعف؟

بداية يجب معرفة أن فرسان الهيكل في هذه الفترة كانوا بمثابة رأس الحربة للجيوش الصليببية، وأنهم أخذوا هذه المكانة بعد معارك عديدة أثبتوا فيها قوتهم وشجعتهم، أي أنهم كانوا صفوة المحاربين في الجيوش الصليبية، كما أن عقيدتهم الدينية كانت تمنعهم من الفرار من أرض المعركة مهما حدث، بل إنهم كانوا مضرب المثل في الشجاعة بين الجنود الصليبيين والمسلمين أيضا، وذلك حسب شهادة القائد المسلم أسامة بن منقذ (ت. 584) في كتاب الاعتبار، كما قال المؤرخ البريطاني ستيفن هوارث في كتابه فرسان الهيكل “كان فرسان الهيكل مستعدين ومسلحين في أي وقت من النهار أو الليل قد يُطلبون فيه، سواء للقتال أو لمصاحبة المسافرين، وحين يطاردون العدو، لا يسألون كم عددهم، ولكن فقط يسألون أين هم”.

أين المغول والعرب والأكراد؟

يظهر من خلال أحداث المسلسل أن الأتراك هم الوحيدون الذين كانوا على الجبهة المحاربة للصليبيين، وتم تمجيد العرق التركي، وتجاهل جميع الأعراق المشاركة في الأحداث آنذاك كالمغول والأكراد والعرب، بل إنه في سبيل تمجيد العرق التركي تم اختزال الدور كله في قبيلة واحدة من 24 قبيلة تركية أخرى، وهي قبيلة قاي، التي كان يتزعمها أرطغرل بن شاه سليمان.

ومن أجل إضفاء الشرعية على قيام أرطغرل بإنشاء دولته نجد الخط الدرامي الرومانسي بين أرطغرل وحليمة خاتون، تلك الأميرة التي تندر من سلالة السلاطين السلاجقة، والتي بزواجها من أرطغرل تعطيه الحق في أن يرث دولة السلاجقة التي كانت على وشك السقوط في ذلك الوقت، وهو الأمر الذي لم يوجد له أثر في كتب التاريخ، فالأميرة حليمة خاتون لم تربطها صلة قرابة بالسلطان علاء الدين من قريب أو بعيد.

كما أن المسلسل تجنب الحديث عن دور الأكراد الذين كان يمثلهم في ذلك الوقت ورثة صلاح الدين الأيوبي، وكان الوحيد الذي تحدثوا عنه هو أمير حلب الذي كان من التركمان، ويبدو أن تجاهل الأكراد هو امتداد لذلك العداء القائم حاليا بين الأكراد والأتراك.

أما عن المغول، فبالرغم من أن غزوات المغول كانت هي السبب في رحيل قبيلة قايي إلى حلب إلا أن المسلسل تجنب الحديث عنهم، ويبدو ذلك واضحا في أحداث المسلسل، ويبدو أن السبب هو ارتباط الأتراك والمغول بعلاقات متشابكة أكثر مما هو مشهور، إذ يرى بعض المؤرخين أن الأتراك والمغول ينحدرون في الأصل من سلالة واحدة، وأن اسم الأتراك قد أطلق على القبائل التي انفصلت عن المغول في فترة زمنية بعيدة.

ابن عربي المرشد الروحي لأرطغرل

خلال أحداث المسلسل نجد أرطغرل يقابل الشيخ المسلم الصوفي ابن عربي أكثر من مرة، ويكاد يكون هو المرشد الروحي لأرطغرل، بل إنه في مشهد بالجزء الأول نجد الشيخ في إحدى حلقاته الصوفية وفي نهايتها يصرخ صرخة يسمعها أرطغرل وهو نائم في قصر أمير حلب، فيستيقظ فجأة ليجد من يحاول قتله فيبدأ أرطغرل في الدفاع عن نفسه، ولكن ما هي احتمالية أن تجمع الأقدار بين الرجلين، فالشيخ ابن عربي قد قام برحلة عام 1210 إلى المشرق حتى استقر في دمشق لمدة سبعة عشر عاما وتوفي فيها عام 1240 م، في حين أن أرطغرل قد ولد عام 1230م، ومن هذا نعرف أن الشيخ ابن عربي استقر بدمشق قبل أن يولد أرطغرل بسبع سنين ولم يخرج منها تى مات، في حين أن أرطغرل لم يدخل دمشق في حياته أبدا، فكيف يكون اللقاء ممكنا.

ولكن يبدو أن السبب في اختلاق هذه القصة هو تعظيم المذهب والنمط الديني الذي اشتهرت به الدولة العثمانية، حيث كانت الدولة العثمانية من أكبر عوامل انتشار الطرق الصوفية في البلاد الإٍسلامية، كما أن في اتباع أرطغرل لتوجيهات ابن عربي يضفي على حكمه الشرعية الدينية مما يرفع من مقام الخلافة العثمانية.

%d مدونون معجبون بهذه: